التخطي إلى المحتوى الرئيسي

السنة الهجرية... حين أصبح الحدث تاريخًا

زاهر ڤويس ..

السنة الهجرية

حين أصبح الحدث تاريخًا

من الأشياء التي اعتدتُ عليها منذ الصغر أن السنة الهجرية تبدأ بمحرم، وأن الهجرة النبوية هي بداية هذا التقويم. كانت معلومة بسيطة لا تستدعي التساؤل، لكن سؤالًا عابرًا أعاد فتح الباب أمام دهشة قديمة:

تنويه: تم استخدام الصورة المرافقة لأغراض ثقافية أو توضيحية أو سردية، مع حفظ كامل الحقوق لأصحابها الأصليين

هل بدأ المسلمون فعلًا عدَّ السنين منذ يوم الهجرة؟ المفاجأة أن الجواب: لا.

في السنوات الأولى بعد الإسلام، لم يكن لدى المسلمين تقويم رسمي مرقّم كما نعرفه اليوم. كانوا يعرفون الشهور القمرية بأسمائها المعروفة، لكنهم كانوا يؤرخون الأحداث بطرق مختلفة، فيقال: عام الفيل، أو عام الرمادة، أو نحو ذلك. ومع اتساع الدولة الإسلامية، بدأت ترد إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسائل ووثائق رسمية تحمل تواريخ بالشهور فقط، مما سبب التباسًا في معرفة السنة المقصودة. وتذكر المصادر أن أحد الولاة، وهو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، كتب إلى عمر يشكو من هذا الأمر، قائلًا إن الكتب تأتيهم مؤرخة دون تحديد السنة.

عندها، وبعد نحو سبعة عشر عامًا من الهجرة النبوية، جمع عمر بن الخطاب كبار الصحابة للتشاور في وضع تأريخ للمسلمين. طُرحت عدة اقتراحات: أن يبدأ التاريخ من مولد النبي صلى الله عليه وسلم، أو من بعثته، أو من وفاته. لكنهم اختاروا حدثًا مختلفًا تمامًا:

الهجرة النبوية.

لم يكن الاختيار عاطفيًا فحسب، بل كان عميق الدلالة. فالهجرة لم تكن مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل كانت اللحظة التي انتقل فيها المسلمون من الاستضعاف إلى بناء مجتمع ودولة، ومن مرحلة النجاة بالفكرة إلى مرحلة تجسيدها في الواقع. والأكثر إثارة للاهتمام أنهم لم يبدأوا العد من السنة التي كانوا يعيشونها آنذاك، رغم أنها كانت تقارب السنة السابعة عشرة بعد الهجرة، بل عادوا إلى الوراء، وجعلوا سنة الهجرة نفسها هي السنة الأولى: 1 هـ، ثم أُعيد ترتيب السنوات تباعًا حتى أصبح العام الذي يعيشونه يحمل رقمه الصحيح ضمن هذا التسلسل. أما السؤال الآخر الذي قد يتبادر إلى الذهن فهو: إذا كانت الهجرة وقعت في ربيع الأول، فلماذا تبدأ السنة بمحرم؟ يبدو أن القرار كان تنظيميًا أكثر منه تاريخيًا. فقد كان محرم معروفًا عند العرب كبداية للسنة، فحافظ المسلمون على ترتيب الشهور كما اعتاده الناس، مع إبقاء الهجرة مرجعًا للتأريخ.

وهكذا اجتمع في التقويم الهجري أمران مهمان: الوفاء للحدث المؤسس، والحكمة في الحفاظ على استقرار النظام الزمني الذي ألفه المجتمع.

وتبقى أسماء الشهور الهجرية كما عرفها العرب قبل الإسلام، وهي:

1. محرم 2. صفر 3. ربيع الأول 4. ربيع الآخر (أو ربيع الثاني) 5. جمادى الأولى 6. جمادى الآخرة (أو جمادى الثانية) 7. رجب 8. شعبان 9. رمضان 10. شوال 11. ذو القعدة 12. ذو الحجة ومن بين هذه الشهور أربعة تُعرف بالأشهر الحرم، وهي: • محرم • رجب • ذو القعدة • ذو الحجة

ربما تكمن روعة هذه القصة في الرسالة التي تحملها؛ فالأمم عادةً تؤرخ بميلاد الملوك، أو بوفاة العظماء، أو بانتصارات الجيوش. أما المسلمون فقد اختاروا لحظة مختلفة: لحظة تحوّل، وولادة مجتمع، وبداية مسؤولية. لم يجعلوا من النهاية بداية، ولا من الألم تاريخًا، بل اختاروا حدثًا يقول للأجيال إن الإنسان لا يُعرَّف فقط بما وُلِد عليه، بل بما يقرر أن يبنيه بعد ذلك. ولعل أجمل ما في السنة الهجرية أنها تذكرنا، كلما بدأ عام جديد، أن البدايات الحقيقية ليست دائمًا في أول الطريق، بل في القرار الذي يمنح الطريق معناه. فهنا لم يصبح التاريخ مجرد عدٍّ للسنين، بل أصبح تذكيرًا دائمًا بأن أعظم التحولات تبدأ بخطوة تحمل رسالة، وتفتح أفقًا جديدًا للمستقبل.

زاهر ڤويس جميع الحقوق محفوظة © 2025

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة لهذا الشهر

حيص بيص .. من الشاشة إلى المعاجم!

حياء المرأة وأنوثتها .. بين الماضي والحاضر

عبده حسين الأدهل: ضوء في ممرات الاستعمار .. وانطفاء بفعل الرفاق