التخطي إلى المحتوى الرئيسي

غيرترود بيل .. ملكة الصحراء التي رسمت حدود العراق

زاهر ڤويس ..

غيرترود بيل .. ملكة الصحراء التي رسمت حدود العراق

الشخصية المثيرة للجدل

في بدايات القرن العشرين، حين كانت الإمبراطورية البريطانية تمد خيوط نفوذها على خرائط العالم، ظهرت امرأة غير عادية في قلب الشرق الأوسط. اسمها غيرترود بيل، وُلدت عام 1868 في إنجلترا، لتصبح واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ المنطقة. مؤرخة، رحّالة، عالمة آثار، دبلوماسية، وجاسوسة غير رسمية .. لكن التاريخ اختصرها في لقب شاعري: "ملكة الصحراء".

في بدايات القرن العشرين، حين كانت الإمبراطورية البريطانية تمد خيوط نفوذها على خرائط العالم، ظهرت امرأة غير عادية في قلب الشرق الأوسط. اسمها غيرترود بيل، وُلدت عام 1868 في إنجلترا، لتصبح واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ المنطقة. مؤرخة، رحّالة، عالمة آثار، دبلوماسية، وجاسوسة غير رسمية .. لكن التاريخ اختصرها في لقب شاعري: "ملكة الصحراء".

من أكسفورد إلى رمال الجزيرة

نشأت بيل في عائلة ثرية مثقفة، وتخرجت في جامعة أكسفورد بمرتبة الشرف في التاريخ الحديث، في زمن كان هذا الإنجاز نادرًا للنساء. بدلاً من الاكتفاء بمكانة اجتماعية آمنة، حملت شغفها بالمعرفة، وسافرت إلى الشرق، متقنة العربية والفارسية، منغمسة في ثقافات البدو والفلاحين، وموثقة رحلاتها بالكلمات والصور.

العراق الجديد .. من الخرائط إلى الواقع

جاءت الحرب العالمية الأولى لتمنحها دورًا أكبر. عملت مع المخابرات البريطانية في القاهرة، ثم انتقلت إلى بغداد، لتشارك عن قرب في مشروع تشكيل الدولة العراقية الحديثة تحت الانتداب البريطاني.
كانت بيل من أبرز العقول التي دفعت نحو ضم ثلاث ولايات عثمانية – بغداد، البصرة، والموصل – في كيان واحد، وتنصيب الملك فيصل الأول ملكًا على هذا الكيان عام 1921.
قرار ضم ولاية الموصل، ذات الغالبية الكردية، إلى العراق، كان من أكثر خطواتها تأثيرًا. فعلت ذلك بدافع الحفاظ على وحدة الدولة الجديدة ومصالح بريطانيا الاستراتيجية، متجاهلة تطلعات الأكراد لدولة مستقلة. هذا القرار ظل مصدر توتر سياسي حتى اليوم.

لمسات من السياسة الكبرى

في عام 1921، شاركت غيرترود بيل في مؤتمر القاهرة الذي دعا إليه وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل، وحضره أيضًا لورنس العرب. كان الهدف إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى، وتحديد شكل الحكم في العراق وشرق الأردن. وجودها في هذا الاجتماع أكد أنها لم تكن مجرد موظفة ميدانية، بل صوتًا مسموعًا في قرارات مصيرية.
وبينما كانت اتفاقية سايكس–بيكو قد سبقت حضورها، فإن قراراتها بشأن ضم الموصل وبناء الدولة العراقية جاءت امتدادًا للترتيبات التي أفرزتها تلك الاتفاقية. في بغداد، وُضع لها تمثال في المتحف العراقي تكريمًا لدورها، لكنه اختفى لاحقًا مع تغير الأوضاع السياسية.

www.ZaherVoice.com©

علاقاتها بالقبائل والملوك

لم يكن نفوذها قائمًا على المناصب فقط، بل على قدرتها النادرة في بناء الثقة مع زعماء القبائل. كانت تدخل مجالس البدو بلا حراسة، تجالسهم وتحاورهم بلغتهم، وتحظى بمكانة لا تقل عن مكانة شيوخهم. ومع ذلك، لم يكن هذا النفوذ بريئًا تمامًا؛ إذ كانت دائمًا تحمل في ذهنها أهداف الإمبراطورية التي تمثلها.

تراث ثقافي وأثر باقٍ

إلى جانب السياسة، أسست بيل دار الآثار العراقية وساهمت في إنشاء المتحف العراقي، واضعة أسسًا لقوانين حماية التراث. كانت ترى أن الحضارات القديمة التي مرّت على أرض الرافدين تستحق الحفظ، حتى وهي تساعد في رسم حدود سياسية جديدة.

رحيل ملكة الصحراء

في عام 1926، رحلت بيل في بغداد بظروف غامضة، ورجحت بعض المصادر أنها تناولت جرعة زائدة من الحبوب المنومة. دُفنت في العراق، تاركة وراءها إرثًا متشابكًا من الإعجاب والانتقاد، ومن القصص التي تقف بين المغامرة والاستعمار.

غيرترود بيل كانت أكثر من لقب شاعري. كانت صانعة خرائط سياسية وثقافية، ومهندسة لمستقبل بلد كامل، لكن مستقبلًا لم يُبنَ على أحلام شعوبه بقدر ما بُني على مصالح القوى الكبرى. وربما لهذا، ما زال اسمها يثير في العراق والكردستانيين والعرب على حد سواء، خليطًا من الاحترام، والريبة، والأسى.

زاهر ڤويس جميع الحقوق محفوظة © 2025

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة لهذا الشهر

هل كل من لبس معطفًا أبيض هو "دكتور"؟

أثقال المعرفة وطمأنينة الجهل

هل تعلم أن الأرقام العربية صُمّمت بناءً على عدد الزوايا؟