التخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختلاف الناس في رؤية الهلال: بين الحساب الفلكي والرؤية الشرعية

زاهر ڤويس ..

اختلاف الناس في رؤية الهلال

بين الحساب الفلكي والرؤية الشرعية

في كل عام، ومع اقتراب بداية الأشهر الهجرية، يتكرر مشهد مألوف في العالم الإسلامي: انتظار، وترقب، ثم اختلاف. ليس الاختلاف هنا مجرد تباين في يومٍ من التقويم، بل هو انعكاس لطريقتين في فهم لحظة ولادة الهلال: رؤيةٍ تُدرك بالعين، ومعرفةٍ تُبنى بالحساب.

تنويه: تم استخدام الصورة المرافقة لأغراض ثقافية أو توضيحية أو سردية، مع حفظ كامل الحقوق لأصحابها الأصليين

ينشأ هذا الاختلاف من التداخل بين الرؤية الشرعية، التي تعتمد على الشهادة البصرية للهلال، وبين الحسابات الفلكية، التي تقدّم وصفًا علميًا دقيقًا للحظة ولادة القمر وظروف إمكانية رؤيته. فالحساب الفلكي يحدد بدقة لحظة الاقتران، وهي اللحظة التي يولد فيها الهلال فلكيًا، إلا أن ولادته لا تعني بالضرورة إمكانية رؤيته. فقد يحدث الاقتران في وقت مبكر، لكن القمر قد يغرب قبل الشمس، أو يكون قريبًا جدًا من الأفق بحيث يستحيل تمييزه، حتى باستخدام أدوات الرصد.

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين "ولادة الهلال" و"رؤيته". فالأول حقيقة فلكية يمكن حسابها بدقة، أما الثاني فهو حدث بصري يتأثر بعوامل متعددة، منها موقع الراصد، وصفاء الأفق، وارتفاع الهلال، ومدة بقائه بعد غروب الشمس. لذلك، قد يكون الهلال قد وُلد بالفعل، لكنه لا يزال خارج نطاق الرؤية البشرية.

لفهم هذا الخلاف بصورة أعمق، لا بد من العودة إلى جذوره الفقهية والتاريخية. فقد استند جمهور العلماء إلى الحديث الشريف: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، فاعتبروا الرؤية البصرية الأساس في إثبات دخول الشهر. وفي المقابل، رأى بعض العلماء، قديمًا وحديثًا، أن الحساب الفلكي إذا بلغ درجة اليقين، فإنه يمكن الاستعانة به، خاصة في نفي إمكانية الرؤية أو تأكيدها.

تاريخيًا، لم يكن لدى المسلمين سوى الرؤية المباشرة، إذ لم تكن الحسابات الفلكية قد بلغت دقتها الحالية. وكان الاختلاف في بداية الشهور أمرًا محدودًا ومفهومًا في سياق اختلاف المواقع وظروف الرؤية. أما اليوم، فقد أصبح بالإمكان تحديد مواقع القمر وحركته بدقة عالية، والتنبؤ بإمكانية رؤيته من أي نقطة على سطح الأرض، مما دفع بعض المعاصرين إلى الدعوة للاستفادة من هذه المعرفة لتقليل الاختلاف.

تعتمد الرؤية البصرية على مشاهدة الهلال بعد غروب الشمس، سواء بالعين المجردة أو باستخدام أدوات الرصد. وهي طريقة ترتبط بالتجربة المباشرة، لكنها تتأثر بالظروف الطبيعية والبشرية. أما الحساب الفلكي، فيقوم على معايير دقيقة، تشمل لحظة الاقتران، وارتفاع الهلال، وزاويته عن الشمس، ومدة مكثه فوق الأفق. ومن خلال هذه المعايير، يمكن تحديد مدى إمكانية الرؤية، وليس مجرد ولادة القمر.

ورغم أن الحساب الفلكي لا يُعد "رؤية" بحد ذاته، إلا أنه يقدّم إطارًا علميًا يمكن أن يساعد في فهم شروطها، ويمنع الوقوع في أخطاء تتعارض مع الحقائق الفلكية. ولهذا، يسعى بعض العلماء إلى الجمع بين الرؤية الشرعية والمعرفة الفلكية، بحيث تُحترم النصوص، وتُراعى الحقائق العلمية في آن واحد.

ومع تكرار الاختلاف بين الدول الإسلامية في تحديد بدايات الأشهر، ظهرت مبادرات متعددة لتوحيد التقويم الهجري، من خلال اعتماد معايير واضحة لإمكانية رؤية الهلال وفق الحسابات الفلكية. وتهدف هذه الجهود إلى تحقيق قدر أكبر من التوافق، دون إلغاء التنوع الفقهي أو تجاوز الاعتبارات الشرعية.

ومع ذلك، لا يزال الاختلاف قائمًا، ليس بسبب نقص المعرفة، بل بسبب تنوع الاجتهادات، واستقلالية القرار في كل بلد، واختلاف طرق الموازنة بين النص والعلم. وربما لا يكون الهدف إنهاء الاختلاف بالكامل، بقدر ما يكون فهمه، والتعامل معه بوصفه جزءًا من تاريخ طويل من الاجتهاد.

في النهاية، يظل الهلال أكثر من مجرد جرم سماوي يظهر ويختفي. إنه لحظة مشتركة بين السماء والأرض، بين ما يُرى وما يُحسب، وبين يقين العلم وطمأنينة الرؤية. وفي هذا التلاقي، يستمر الإنسان في النظر إلى الأفق، لا بحثًا عن بداية شهر فحسب، بل بحثًا عن معنى التوافق بين المعرفة والإيمان.

زاهر ڤويس جميع الحقوق محفوظة © 2025

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة لهذا الشهر

كلام الناس .. حين تتحوّل الألسنة إلى مقاصل

حياء المرأة وأنوثتها .. بين الماضي والحاضر

الدولة العثمانية: خريطة النفوذ والسيادة بين ثلاث قارات