التخطي إلى المحتوى الرئيسي

السلاسل العلمية لتكوّن المذاهب الفقهية .. من الصحابة إلى تدوين المذهب

زاهر ڤويس ..

السلاسل العلمية لتكوّن المذاهب الفقهية

من الصحابة إلى تدوين المذهب

لم تتشكّل المذاهب الفقهية في الإسلام بوصفها مشاريع فردية أو مدارس مغلقة، بل نشأت عبر سلاسل علمية متصلة، انتقل فيها الفقه من الصحابة إلى التابعين، ثم إلى الأئمة، قبل أن يُدوَّن ويُقعَّد عبر الأجيال. ويهدف هذا المقال إلى تتبّع تلك السلاسل كما تشكّلت في أمصار مختلفة، لإظهار أن المذاهب لم تكن يومًا هويات صدام، بل طرائق فهم تراكمية نشأت في سياقات علمية وزمنية متباينة.

الصورة المرافقة لأغراض ثقافية أو توضيحية أو سردية، مع حفظ كامل الحقوق لأصحابها الأصليين

مدرسة مكة وفقه ابن عباس

عطاء بن أبي رباح (27–114هـ / 647–732م)

عطاء بن أبي رباح، تابعي جليل من أهل مكة، تتلمذ على عبد الله بن عباس، وكان مرجع أهل الحرم في الفتوى، خاصة في المناسك. عاش في مكة، وتميّز بسعة العلم وعمق الفهم، وكان يمثّل فقه المدرسة المكية التي امتازت بالاستنباط وربط النص بالواقع

مدرسة الحديث ودور الزهري في التأسيس

محمد بن شهاب الزهري (50–124هـ / 670–742م)

محمد بن شهاب الزهري، من كبار التابعين، وُلد في الحجاز، وتنقّل بين المدينة والشام. يُعدّ من أوائل من دوّن الحديث تدوينًا واسعًا بأمر من الدولة الأموية. مثّل حلقة انتقال مركزية بين الصحابة والمدارس الحديثية، واعتمد عليه فقهاء ومحدّثون من مختلف الأمصار، وكان أثره شاملًا في جميع المذاهب.

مدرسة المدينة وأثرها في نشوء المذهب المالكي

نافع مولى ابن عمر (ت 117هـ / 735م)

نافع مولى عبد الله بن عمر، تابعي ثقة من أهل المدينة، لازم ابن عمر زمنًا طويلًا، ونقل فقهه بدقة شديدة. عاش في المدينة، وكان مرجعًا في الفتوى والعمل، واشتهر بضبطه للسنة العملية. شكّلت روايته حلقة أساسية في انتقال فقه الصحابة إلى الجيل التالي، واعتمد عليه الإمام مالك اعتمادًا كبيرًا.

---

الائمة الأربعة

المذاهب والمدارس والتدوين


مدرسة الكوفة وبناء الفقه الحنفي

عبد الله بن مسعود (ت 32هـ / 652م)

عبد الله بن مسعود، من كبار الصحابة، ولازم النبي ﷺ زمنًا طويلًا، وكان من أفقه الصحابة بالقرآن والأحكام. أرسله عمر بن الخطاب إلى الكوفة بعد فتح العراق ليكون معلمًا وقاضيًا ومرجعًا علميًا. أسّس ابن مسعود في الكوفة مدرسة فقهية امتازت بالجمع بين النص والفهم العميق للواقع، وكانت النواة الأولى لفقه العراق.

علقمة بن قيس النخعي (ت 62هـ / 682م)

علقمة بن قيس النخعي، تابعي جليل من أهل الكوفة، تتلمذ على عبد الله بن مسعود، وكان من أضبط الناس لفقهه. نقل علم شيخه نقلاً دقيقًا، وحافظ على منهجه في الاستنباط، فكان حلقة مركزية في انتقال فقه الصحابة إلى الجيل التالي.

إبراهيم النخعي (ت 96هـ / 714م)

إبراهيم النخعي، فقيه الكوفة في عصره، وتتلمذ على علقمة وغيره من كبار التابعين. عُرف بسعة فقهه وقوة ترجيحه، حتى لُقّب بـ“فقيه العراق”. مثّل مرحلة نضج في الفقه الكوفي، حيث انتقل من مجرد النقل إلى التوسع في الاستنباط.

حماد بن أبي سليمان (ت 120هـ / 738م)

حماد بن أبي سليمان، من كبار فقهاء الكوفة، وتتلمذ على إبراهيم النخعي، ولازمه زمنًا طويلًا. كان شيخ الإمام أبي حنيفة، ونقل إليه فقه المدرسة العراقية، فكان حلقة الوصل المباشرة بين فقه التابعين والاجتهاد المؤسس.

أبو حنيفة النعمان (80–150هـ / 699–767م)

أبو حنيفة النعمان، وُلد في الكوفة، ونشأ فيها، وتتلمذ على حماد بن أبي سليمان، كما أخذ عن عدد من فقهاء الأمصار. تميّز بمنهج اجتهادي قائم على الجمع بين النص والقياس وضبط المقاصد، وأسّس مدرسة فقهية متكاملة عُرفت لاحقًا بالمذهب الحنفي.

تدوين المذهب الحنفي وانتقاله

أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم (ت 182هـ / 798م)

أبو يوسف، أبرز تلامذة أبي حنيفة، تولّى منصب قاضي القضاة في العصر العباسي، وأسهم في نشر الفقه الحنفي في القضاء الرسمي. كان أول من دوّن فقه أبي حنيفة تدوينًا منهجيًا، وله كتاب الآثار ، وكان لدوره أثر بالغ في ترسيخ المذهب وانتشاره.

محمد بن الحسن الشيباني (ت 189هـ / 805م)

محمد بن الحسن الشيباني، من كبار تلامذة أبي حنيفة، وصاحب الفضل الأكبر في نقل المذهب الحنفي إلى الأجيال اللاحقة. ألّف كتب ظاهر الرواية ، وعددها ستة، وهي المعتمد الأساسي للمذهب، وكان لها دور محوري في تقعيد الفقه الحنفي.

الحاكم الشهيد محمد بن محمد المروزي (ت 334هـ / 945م)

قام الحاكم الشهيد محمد بن محمد المروزي بجمع كتب ظاهر الرواية الستة، واختصرها في كتاب واحد سمّاه الكافي، ليكون مرجعًا جامعًا لفقه المذهب الحنفي.

السرخسي (ت 483هـ / 1090م)

شرح الإمام السرخسي كتاب الكافي في موسوعته الفقهية الكبرى المبسوط، التي تُعد من أوسع وأهم مصادر الفقه الحنفي، وجاءت ثمرة نضج طويل للمذهب.

مالك بن أنس (93–179هـ / 711–795م)

مالك بن أنس، وُلد ونشأ في المدينة المنورة، ولم يخرج منها إلا قليلًا. تتلمذ على نافع وغيره من فقهاء المدينة، وجمع بين الحديث والفقه والعمل المتوارث. ألّف كتاب الموطأ، الذي جمع فيه الحديث والآثار وأقوال الصحابة والتابعين، مع فقهٍ عملي مستقر. مثّل مالك مدرسة المدينة التي أولت عناية خاصة لما استقر عليه عمل أهلها.

محمد بن إدريس الشافعي (150–204هـ / 767–820م)

حلقة الوصل بين المدرستين.. محمد بن إدريس الشافعي، وُلد في غزة، ونشأ في مكة، ثم تنقّل بين الحجاز والعراق ومصر. تتلمذ على مالك بن أنس في المدينة، وأخذ عن محمد بن الحسن الشيباني في العراق، فجمع بين مدرسة الحديث ومدرسة الرأي. عُرف بقوة الحفظ وحدة الذكاء، وكان أول من قعّد علم أصول الفقه بصورة منهجية.

وقد تعرّض الشافعي لمحنة سياسية، إذ سُجن في بغداد واتُّهم ظلمًا بمناصرة العلويين، وقُيِّد وأُدخل على الخليفة، ثم أُطلق سراحه بعد ظهور براءته. وقد تركت هذه التجربة أثرًا واضحًا في نضجه العلمي واحترازه في القول.

أحمد بن حنبل (164–241هـ / 780–855م)

أحمد بن حنبل، وُلد في بغداد، ونشأ يتيمًا، وكرّس حياته لطلب الحديث حتى صار من كبار أئمته. تتلمذ على الشافعي، وأخذ عن عدد كبير من شيوخ الحديث في الحجاز والعراق واليمن. امتاز بمنهجه القائم على تقديم النص والأثر، مع ورع شديد في الفتوى.

تعرّض أحمد بن حنبل لأشدّ محنة في عصره خلال ما عُرف بـ“محنة خلق القرآن”، حيث سُجن، وقُيِّد، وجُلِد، ومُنع من التدريس والخروج من بيته سنوات طويلة، ثبت خلالها على قوله دون مساومة. وقد تحوّل موقفه هذا إلى رمز لصبر العلماء واستقلالهم عن السلطة.

الخاتمة

لم يكن الأئمة الذين نُسبت إليهم المذاهب الفقهية يسعون إلى تأسيس مدارس تحمل أسماءهم، ولا إلى إنشاء هويات مذهبية مغلقة، بل كانوا علماء يجتهدون في فهم النص وتنزيله، كلٌّ في سياقه العلمي والزمني. وقد تبلورت المذاهب لاحقًا بوصفها تراكمًا علميًا، لا مشروعًا شخصيًا.

وفي واقعنا المعاصر، تجاوزت كثير من الفتاوى حدود الانتماء المذهبي الضيق، مع بقاء المذاهب مرجعيات علمية راسخة وطرائق فهم معتبرة. فالمذاهب ليست كيانات صدام، بل مسارات اجتهاد، يكمّل بعضها بعضًا، ويثري تعددها الفهم الفقهي بدل أن يهدده.

هذا المقال لا يدافع عن مذهب، ولا يهاجم آخر، بل يشرح كيف وصل إلينا هذا العلم.

وهو بالضبط النوع الذي يحتاجه القارئ المتعب من الجدل، والذي يبحث عن الفهم قبل الحكم.

زاهر ڤويس جميع الحقوق محفوظة © 2025

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة لهذا الشهر

من هم الجرمان؟

كلام الناس .. حين تتحوّل الألسنة إلى مقاصل

حياء المرأة وأنوثتها .. بين الماضي والحاضر